أحمد بن محمود السيواسي

156

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

بما في ضمائرهم من الغم والندم ، وقيل : السنة للمصدق « 1 » أن يدعو لصاحب الصدقة إذا أخذها ، قال الشافعي أحب إلي أن يقول له آجرك اللّه فيما أعطيت وجعله طهورا وبارك لك فيما أبقيت « 2 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 104 ] أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 ) ( أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) إذا تابوا عن الشرك « 3 » والمعاصي توبة مقرونة بالصحة ( وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) أي ويقبلها منهم إذا تصدقوا بخلوص النية فما منعهم عن التوبة والتصدق ، قيل : « إن الصدقة تقع في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل » « 4 » ، يعني يتقبلها ويضاعف عليها ، وفي رواية : « فيربيها كما يربي أحدكم فصيله حتى تكون اللقمة مثل أحد » « 5 » ، قوله ( وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [ 104 ] عطف على مفعول « يَعْلَمُوا » ، أي ألم يعلموا أنه هو المتجاوز عن الذنوب بالتوبة لمن تاب الرحيم له بادخاله جنته . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 105 ] وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) ( وَقُلِ ) لهم يا محمد ( اعْمَلُوا ) خيرا ( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ) ويجازيكم به ( وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) ويشهدون لكم يوم القيامة ، فلا تغفلوا عن التوبة وعمل الخير ، وفيه تهديد وتحذير من عاقبة الإصرار على الكفر وعمل الشر ، وأكد ذلك بقوله ( وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) الذي لا يغرب عن شيء في الأرض ولا في السماء بالبعث يوم القيامة ( فَيُنَبِّئُكُمْ ) أي يخبركم ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 105 ] في الدنيا . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) قوله ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ) بالهمزة وغيره « 6 » ، من أرجأته إذا أخرته ، مبتدأ وخبر ، أي وقوم آخرون من المتخلفين التائبين مؤخرون عن قبول توبتهم ، يعني لم يتبين بالوحي شيء فيهم « 7 » ( لِأَمْرِ اللَّهِ ) أي لأن يحكم « 8 » فيهم بما يشاء ، فانتظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في توبتهم ( إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ ) إن لم يتوبوا ( وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) أي يقبل توبتهم إن تابوا ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ ) بحالهم ( حَكِيمٌ ) [ 106 ] يحكم بما يشاء فيهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 107 ] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) قوله ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ) بواو العطف وتركها « 9 » مبتدأ ، وخبره محذوف يقدر بعد من قبل « 10 » ، وهو يعذبون ، نزل في جماعة من المنافقين كانوا اثني عشر رجلا « 11 » ، وهم بنو غنم بن عوف بعد ما بنى إخوتهم بنو عمرو بن عوف مسجدا قباء ، ودعوا رسول اللّه إلى مسجدهم ليصلي فيه بهم تبركا ، فأتى وصلى ، فحسدتهم إخوتهم وقالوا : نبني نحن أيضا مسجدا وندعوا رسول اللّه ويصلي فيه بنا كما صلى بهم ، ثم يصلي بنا فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام ، وكان النبي عليه السّلام سماه فاسقا ، وقال لهم : لا تقولوا له راهب ولكن قولوا فاسق ، لأنه قد آمن به مرتين ، ثم رجع عن الإسلام ، وكان قد قال لهم : ابنوا مسجدا فاني ذاهب

--> ( 1 ) للمصدق ، ب : للمتصدق ، س م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 212 . ( 2 ) نقله عن الكشاف ، 2 / 212 . ( 3 ) عن الشرك ، م : من الشرك ، ب س . ( 4 ) عن ابن مسعود ، انظر الكشاف ، 2 / 212 . ( 5 ) أخرجه الترمذي ، الزكاة ، 28 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 72 . ( 6 ) « مرجون » : قرأ المكي والبصريان والشامي وشعبة بهمزة مضمومة ممدودة بعد الجيم ، والباقون بواو ساكنة بعد الجيم من غير همز . البدور الزاهرة ، 139 . ( 7 ) فيهم ، ب س : منهم ، م . ( 8 ) أي لأن يحكم ، ب س : - م . ( 9 ) « والذين » : قرأ المدنيان والشامي بحذف الواو قبل « الذين » ، والباقون باثباتها . البدور الزاهرة ، 139 . ( 10 ) يقدر بعد من قبل ، ب س : مقدر بعد قيل ، م . ( 11 ) كانوا اثني عشر رجلا ، ب س : - م .